ابن الأثير
618
أسد الغابة ( دار الفكر )
قالوا : وكان عبد الرحمن بن ملجم في السجن ، فلما مات على ودفن بعث الحسن بن علي إلى ابن ملجم ، فأخرجه من السجن ليقتله ، فاجتمع الناس وجاءوا بالنّفط ، والبواري [ ( 1 ) ] والنار ، وقالوا : نحرقه . فقال : عبد اللَّه بن جعفر ، وحسين بن علي ، ومحمد بن الحنفية ، دعونا حتى نشفى أنفسنا منه فقطع عبد اللَّه بن جعفر يديه ورجليه ، فلم يجزع ولم يتكلم ، فكحّل عينيه بمسمار محميّ ، فلم يجزع ، وجعل يقول : إنك لتكحل عيني عمك بمملول [ ( 2 ) ] ممض ، وجعل يقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ : حتى أتى على آخر السورة ، وإن عينية لتسيلان . ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه ، فجزع ، فقيل له : قطعنا يديك ورجليك وسملنا عينيك يا عدوّ اللَّه ، فلم تجزع ، فلما صرنا إلى لسانك جزعت . قال ما ذاك من جزع إلا أنى أكره أن أكون في الدنيا فواقا [ ( 3 ) ] لا أذكر اللَّه فقطعوا لسانه ، ثم جعلوه في قوصرة [ ( 4 ) ] فأحرقوه بالنار ، والعباس ابن علي يومئذ صغير ، فلم يستأن به بلوغه . وكان ابن ملجم أسمر أبلج ، في جبهته أثر السجود . أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد ، أنبأنا أبو القاسم بن السمرقندي ، أنبأنا أبو بكر ابن الطبري ، أنبأنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأنا أبو علي بن صفوان ، حدثنا ابن أبي الدنيا ، حدثني هارون بن أبي يحيى ، عن شيخ من قريش أن عليا لما ضربه ابن ملجم قال : « فزت وربّ الكعبة » . أنبأنا عبد الوهاب بن أبي منصور بن سكينة ، أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي ابن سلمان ، أنبأنا أحمد بن الحسين بن خيرون وأحمد بن الحسن الباقلاني ، كلاهما إجازة قالا : أنبأنا أبو علي بن شاذان قال : قرئ على أبى محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلويّ ، حدثني جدّى ، حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى ، حدّثنى إسماعيل بن أبان الأزدي ، حدّثنى فضيل بن الزبير ، عن عمرو ذي مر قال : لما أصيب على بالضربة ، دخلت عليه وقد عصب رأسه ، قال قلت : يا أمير المؤمنين ، أرني ضربتك . قال : فحلّها ، فقلت : خدش وليس بشيء . قال : إني مفارقكم . فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب ، فقال لها : اسكتي ، فلو ترين ما أرى لما
--> [ ( 1 ) ] البواري : جمع بوري وبورية ، وهو حصير يعمل من قصب . [ ( 2 ) ] المملول : المحمي بالملة ، وهي الرماد الحار . [ ( 3 ) ] الفواق : الوقت ما بين الحلبتين . [ ( 4 ) ] القوصرة : وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البواري .